عثمان بن جني ( ابن جني )
378
الخصائص
قد شرحت حال هذا الرجز في كتابي " في النوادر الممتعة " . واعلم أن العرب يختلف أحوالها في تلقّى الواحد منها لغة غيره ؛ فمنهم من يخفّ ويسرع قبول ما يسمعه ، ومنهم من يستعصم فيقيم على لغته البتّة ، ومنهم من إذا طال تكرر لغة غيره عليه لصقت به ، ووجدت في كلامه ؛ ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد قيل : يا نبئ اللّه ، فقال : " لست بنبيء اللّه ولكنني نبىّ اللّه " " 1 " وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أنكر الهمز في اسمه فردّه على قائله ، لأنه لم يدر بم سمّاه ، فأشفق أن يمسك على ذلك ، وفيه شيء يتعلق بالشرع ، فيكون بالإمساك عنه مبيح محظور ، أو حاظر مباح . وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال : اجتمع أبو عبد اللّه بن الأعرابىّ وأبو زياد الكلابىّ على الجسر ببغداد ، فسأل أبو زياد أبا عبد اللّه عن قول النابغة الذبيانىّ : * على ظهر مبناة . . . " 2 " * فقال أبو عبد اللّه " 3 " : النّطع " 4 " ، فقال أبو زياد : لا أعرفه ، فقال : النطع ، فقال أبو زياد : نعم ، أفلا ترى كيف أنكر غير لغته على قرب بينهما . وحدّثنى أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبي بكر محمد بن هارون الرّويانى
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 / 231 ) ، من طريق حمران بن أعين عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر مرفوعا ، وقال : " صحيح على شرط الشيخين " ، وردّه الذهبي بقوله : " قلت : بل منكر لم يصح ، قال النسائي : حمران ليس بثقة ، وقال أبو داود : رافضي روى عن موسى بن عبيدة وهو واه . . " . ( 2 ) جزء من بيت له في الديوان ص 31 ، ولسان العرب ( نطع ) ، ( بنى ) ، وكتاب العين ( 7 / 433 ، 8 / 382 ) وتهذيب اللغة 13 / 357 ، 5 / 494 ، وتاج العروس ( نطع ) ، ( بنى ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( لطم ) ، ومقاييس اللغة 1 / 305 ، ويروى البيت كاملا : على ظهر مبناة جديد سيورها * يطوف بها وسط اللطيمة بائع والمبناة : الحصير أو النطع يبسطه التاجر على بيعه ، وكانوا يجعلون الحصر على الأنطاع يطوفون بها ، وإنما سميت بمناة لأنها تتخذ من أدم يوصل بعضها ببعض . ( 3 ) أبو عبد اللّه : هو ابن الأعرابي . ( 4 ) القصة في اللسان ( نطع ) .